محمد بن زكريا الرازي

396

الحاوي في الطب

إلى الذكر قبل التجربة دلائل كافية في تعرف الملطفات ، لأن ما كان يلذع ويهيج فيبين أن فيه حرافة ، وكل حريف فنافع في تقطيع الأخلاط الغليظة وإن تناول منها فضل قليل أحدثت في المعدة لذعا وكربا وخرجت بالقيء والبراز وفاحت منها رائحة حريفة وتجعل البول والعرق حريفا وتفجر الدم من أسفل وتقرح الجسد ، وهذه كلها دلائل عظيمة على تلطيفها الأخلاط الغليظة . قال : والتجربة تشهد لها بذلك ، وذلك أنها بعد عظيمة النفع للأبدان المملوءة من الأخلاط الغليظة الباردة اللزجة . قال : وينبغي أن يستعمل بقدر كما يجب وإلا جعلت الأخلاط رديئة . قال : وليس يذهب على أحد من العوام أن الثوم والبصل والحرف والكراث من الأشياء الملطفة ومن بعد هذه المقدونس « 1 » والرازيانج والحاشا إذا كانت طرية لأنها إذا جفت صارت بالغة في التلطيف وخرجت عن حد الأغذية إلى الأدوية . قال : ويجب أن تعلم أن الماء والدهن يكسران قوة الملطفات . قال : وكذلك السداب والكراث والكزبرة والشبث والفوذنج والأنجرة فإنها كلها ما دامت رطبة تلطف تلطيفا متوسطا وإذا جفت كان تلطيفها قويا وأسخنت إسخانا بليغا . قال : وهاهنا أشياء متوسطة بين هذه القوية التلطيف وبين الأشياء التفهة المغلظة ، وهي التي فيها حظ من الحرافة والمرارة والملوحة قوي آخر تلطفه إلا أنها قليلة في ذلك كالطرخشقون والهندباء والشاهترج والخس ، وبالجملة فإنه كلما بان للحواس من ريحه وطعمه أو منهما جميعا حرافة فإن فيه قوة ملطفة وكذلك فعل ما كان طيب الرائحة ، فإذا تطعمته خيل لك أن فيه عطرية فهو لا محالة حار ملطف ، في قوته إلا أن حرارته أقل من الأشياء الحريفة فلذلك تلطيفه أقل ، وكل ما كان في طعمه بورقية أو ملوحة فإن معها تلطيفا وتليينا للبطن ، والأشياء المرة أيضا فيها قوة ملطفة ليست بدون ما في الأشياء البورقية والمالحة . قال : وجميع الأغذية الملطفة ينقص تلطيفها إذا سلقت وإذا كانت بالماء والدهن ، وتزيد قوتها متى أكلت بالخل والعسل أو بهما . لي : قد يمكن أن تنقص قوة بعض هذه إذا أكلت بالخل كالبصل ، فإن البصل يذهب أكثر حدته وحرافته بالخل لأنه يبرد ، ويمكن العسل أن يكسر قوة بعض هذه لأن هذه الطعوم الحلوة مغلظة والمرة ملطفة ، وإذا كان بعض الأشياء المرة بعسل كان أقل تلطيفا ، فلذلك يجعل لهذا قانون على ما يجب وما أدري كيف أغفل جالينوس هذا . قال : والدهن يوهن قوة جميع الملطفات . قال : والصناعات « 2 » الخردلية المتخذة من الخردل والكاشم والكرويا ونحوها ، يجب لمن يعنى بالتدبير الملطف أن يديم استعمالها فإن اتفق له أن يأكل طعاما مغلظا أكله ، والهليون متوسط بين الملطفة والمغلظة . قال : وما كان من الأطعمة متوسطا بين القبض والمرارة فإن له تلطيفا متوسطا . قال : وبزر الشبث والكاشم والنانخة والزوفا وجميع بزر النبات الذي فيه عطرية مع حدة وحرافة وحرارة موافقة للتدبير الملطف ، وبعض هذه البزور يبلغ من شدة قوته أن يبلغ غاية التلطيف كبزر السذاب فإنه موافق قوي في القوة

--> ( 1 ) في الأصل : المقدويس . ( 2 ) في الأصل : الصباغات .